السيد محمد تقي المدرسي
71
من هدى القرآن
وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ وبالرغم من أننا نعتقد بهذه الفكرة بصفتنا مسلمين ، إلا إنا حين نضعها موضع التطبيق يثقل علينا الأمر ، لأن الإنسان بطبيعته يحاول التهرب من المسؤولية ، وإلقاء الأخطاء على كاهل الآخرين ، أو يلقي بمسؤولية عدم قيامه بواجباته على عاتق القيادة ، أيا كانت ، فالابن يلقي التبعة على الأب ، والمدرس على إدارة المدرسة ، وإدارة المدرسة على الوزارة المختصة بها ، وهكذا . فلكي يتنصل كل واحد منا من ثقل المسؤولية التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال تجده يوزع الاتهامات يمينا وشمالا ، ولا يبخل بها حتى على قيادته ، بل إنها تنال الحظ الأوفر منها ، وهذه فكرة ضلال في نفس الوقت . هدف الدولة الإسلامية [ 55 ] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وهنا ثلاثة أسئلة لابد من الإجابة عليها : الأول : ما هي العلاقة بين هذا الوعد بعد الأمر بالطاعة ؟ . الثاني : لماذا أكد القرآن على كلمة مِنْكُمْ ؟ . الثالث : ما معنى الاستخلاف في الأرض ؟ . الجواب : أولًا : لأن الطاعة للقيادة أمر صعب جدا ، ولا يمكن أن يلتزم الإنسان بها مخلصا تمام الإخلاص ، إلا أن يكون وراءه هدف محدد . وحينما تسعى جماعة مؤمنة لتحقيق الاستخلاف في الأرض ، فإن الأفراد يتنازلون مرحليا عن أنانيتهم ، ويذوبون أنفسهم في بوتقة القيادة ، وهذا يجعل كل واحد منهم يلبس شخصية جديدة ، هي شخصية المجموع ، ويتمثل بالتالي شخصية القيادة . ثانياً : جاءت كلمة مِنْكُمْ لتبين بأن الاستخلاف سنة جرت في السابقين ، وهي ليست حكرا على أولئك ، بل تجري فينا أيضاً ، ومن سيأتي بعدنا من المؤمنين ، إذ ليست هذه السنة حكرا على فئة محددة في زمن محدد ، بل يكفي أن يتحقق شرطا ( الإيمان والعمل الصالح ) لتأخذ هذه السنة مجراها في أي مجتمع .